عبد الوهاب الشعراني
514
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
تمسكا بكتاب ولا سنة ، وذلك من أقبح الخصال ، وإنما كان اللائق بهم الجواب عن الأئمة إما بعدم اطلاعهم على ذلك الدليل الذي ظفر به الراد عليهم وإلا بأن لذلك المجتهد منزعا في الاستنباط من وجوه قواعد العربية يخفى على أمثالنا . وقد بلغنا أن الإمام الشافعي لما دخل بغداد وزار قبر الإمام أبي حنيفة رضي اللّه عنه ، حضرته صلاة الصبح فترك القنوت مع أنه يقول به فقيل له في ذلك ، فقال استحييت من الإمام أن أقنت بحضرته وهو لا يقول به فرضي اللّه تعالى عن أهل الأدب ، هذا في باب الآداب والسنن . أما الواجب والحرام فإذا قام عند المجتهد دليل فيه فليس له أن يتركه أدبا مع من يخالفه فافهم . وقد حكى الشيخ محيي الدين في « الفتوحات المكية » أن من وراء النهر جماعة من الشافعية والحنفية لم يزل الجدال بينهم قائما طول السنة حتى أن بعضهم يفطر في رمضان ليتقوى على الجدال مع خصمه . وقد روى الطبراني مرفوعا : « إنّ الشّريعة جاءت على ثلاثمائة وستّين طريقة » . انتهى فلا ينبغي لأحد أن يرد على من يجادله إلا إن نظر في هذه الطرق كلها ، ولم يجد كلام خصمه يوافق طريقة واحدة منها ، وما ذكر الشارع ذلك إلا سدا لباب الجدال بغير علم تقوية للدين فإن النزاع يوهنه ويضعفه . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : لا يقوم الدين إلا بالاتفاق عليه لا بالاختلاف فيه ثم لا يصح للعلماء اتفاق إلا إن خرجوا عن رق الشهوات النفسانية وما لم يخرجوا فلا يصح لهم ارتباط قلوبهم مع بعضهم بعضا أبدا . فعلم أن أنصار الدين حقيقة هم الذين سلكوا الطريق وخرجوا من حضرة النفوس إلى حضرة الأرواح ، فإن الأرواح لا شهوة لها إلى شيء من الأغراض النفسانية أبدا ، وهناك يكون نصرتها للدين خالصة من الشوائب ، فاعلم ذلك واعمل عليه واللّه يتولى هداك . وقد روى البيهقي والترمذي وغيرهما مرفوعا وحسنه الترمذي : « ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلّا أوتو الجدل ، ثم قرأ صلى اللّه عليه وسلم ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [ الزخرف : 58 ] . وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « إنّ أبغض الرّجال إلى اللّه الألدّ الخصم » . والألد : هو شديد المخاصمة . والخصم هو الذي يحج من يخاصمه ويدحض حجته : اللهم إلا أن يقوم لنا صاحب بدعة لا يشهد لها كتاب ولا سنة فلنا إدحاض حجته نصرة للّه ولرسوله وللمسلمين : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . [ النهي عن فعل شيء يؤذي المسلمين : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نفعل شيئا قط يؤذي المسلمين إلا